تفاصيل بلدنا

من أموال النفط إلى تمويل الحرب.. كيف عادت شبكات الإسلاميين المالية بعد سقوط البشير؟

فريق التحرير وقت القراءة: 5 د

 

الخرطوم | تفاصيل بلدنا

حين يسقط جنرال عن سدة الحكم، تسقط صوره من الساحات وتُطوى خطاباته في الأرشيف، لكن “الخزائن السرية” التي بناها نظامه نادراً ما تسقط معه. بعد أكثر من سبعة أعوام على إطاحة عمر البشير بثورة ديسمبر سنة 2019 ، لم يعد اللغز في السودان يبحث عن “حجم” الأموال التي تبخرت خلال ثلاثة عقود من حكم الحركة الإسلامية، بل عن “الشبكات” التي أدارت تلك الثروة في الظلام، وكيف استطاعت النجاة، إعادة تجميع صفوفها، وتحويل أموال الأمس إلى رصاص يمزق جسد الدولة في حرب اليوم.

بين محاولات استرداد الأموال المنهوبة التي وُئدت في مهدها، وعودة شخصيات النظام السابق إلى المشهد بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021، والعقوبات الأمريكية التي تلاحق كيانات مسلحة اليوم، تبرز حقيقة ثقيلة: إمبراطورية “الإنقاذ” المالية لم تمت بسقوط عرابيها، بل كانت في استراحة محارب، تنتظر لحظة الانقضاض.

شفرة النفط.. المليارات المفقودة وخزائن كوالالمبور

تبدأ الفصول الأكثر غموضاً في هذه القصة من آبار النفط. في تصريح أثار عاصفة من الجدل عبر منصة ” بودكاست السودان 360″   ألقى الاقتصادي والسياسي محمد عصمت يحيى بقنبلة من العيار الثقيل مجدداً إياها ، مؤكداً أن وزير النفط في عهد البشير حوّل نحو 64 مليار دولار من عائدات الذهب الأسود لصالح تنظيم الحركة الإسلامية. ورغم ضخامة الرقم الذي يعادل ميزانيات دول، إلا أن هذا الرقم  لا يزال يحتاج  إلى الوثائق المصرفية القاطعة التي ترسم مسار التحويلات وتسمي المستفيدين منها .

لكن تتبع رائحة النفط يقود حتماً إلى ماليزيا. تستند أبحاث أكاديمية، أشار إليها البروفيسور هاشم محجوب وتعود لعامي 2006-2007، إلى أن 16% من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في ماليزيا  كانت ذات منشأ سوداني، بقيمة قُدرت حينها بـ 42 مليار دولار  إلا أن الحضور الاستثمار المتبادل ، و يستفيد الإسلاميين من الواجهات والشركات وشخصياتٍ اقتصادية مرتبطةٍ بأذرعه الاقتصادية .

ورغم ذلك فإن الحضور الاستثماري المتبادل كان حقيقة لا تقبل الشك؛ فقد وثقت منظمة «هيومن رايتس ووتش» عام 2003 امتلاك شركة “بتروناس” الماليزية لـ 30% من كونسورتيوم النفط الأكبر في السودان، مع تمدد شبكة الشركات الماليزية هناك. هذه الحقائق تؤكد عمق الشراكة، لكن إثبات أن تلك الأصول مملوكة حصرياً للتنظيم الإسلامي السري يظل بحاجة إلى المزيد من كشف السرية المصرفية التي لم تكتمل بسبب انقلاب 25 أكتوبر 2021.

لجنة التفكيك.. معركة الأبواب المغلقة

مع نجاح ثورة أبريل 2019، لم يكن الشارع يطالب بتغيير الوجوه فقط، بل بكسر قفل الخزنة. تشكلت “لجنة تفكيك نظام الـ30 من يونيو واسترداد الأموال العامة ” كأداة جراحية لاستئصال شبكات النظام السابق الاقتصادية. لم تكن مهمة اللجنة مصادرة عقارات فحسب، بل كانت محاولة لاختراق “دولة الظل” التي ابتلعت مؤسسات الدولة.

في فبراير 2020، كشف الرئيس المناوب للجنة، محمد الفكي سليمان، عن تشكيل 48 لجنة لتعقب الأموال، مفصحاً عن معلومات مذهلة حول “حساب رئاسي” كان يُودع فيه 20 مليون دولار شهرياً  كنثرية شخصية للبشير خارج أي إطار قانوني وهو ما عرف بالحساب التجميعي . بالتوازي، خاض أعضاء مقررية  اللجنة  بابكر فيصل ووجدي صالح معركة أشرس؛ في محاولة إخضاع الشركات التابعة للأجهزة العسكرية والأمنية لولاية وزارة المالية.

أسفرت المعركة، وفقاً لبيانات بحثية، عن استرداد أصول قُدرت بنحو 2.6 مليار دولار ، شملت أموالاً نقدية أُعيدت لوزارة المالية، وأصولاً تابعة لوزارة الأوقاف، وعقارات ضخمة تابعة لرجل الأعمال عبد الباسط حمزة. ورغم هذه الأرقام، عانت اللجنة من نقص التمويل والتداخل المالي، وتبقى الأرقام المتداولة بحاجة لمطابقة صارمة مع سجلات التحويل الفعلي للخزانة العامة.

انقلاب أكتوبر.. الأكسجين الذي أحيا الإمبراطورية

لم “ننجز سوى 15% من عملنا”.. بهذه الكلمات لخّص محمد الفكي سليمان الرئيس المناوب للجنة  في نوفمبر 2022 المشهد. ففي 25 أكتوبر 2021، أطاح الانقلاب العسكري بالمسار الانتقالي، ومعه جُمّد عمل لجنة التفكيك. كان هذا التجميد بمثابة طوق نجاة لشبكات اقتصادية ضخمة أوشكت على الانهيار.

فتحت هذه الانتكاسة الباب أمام عودة النفوذ القديم، ومهدت الطريق للحرب الكارثية في أبريل 2023. وهنا تحول الجدل من “من سرق أموال الدولة؟” إلى “من يمول آلة الموت؟”

يُعد ملف عبد الباسط حمزة النموذج الأكثر تعقيداً لتداخل المال والسياسة عبر الحدود. ففي أكتوبر 2023، فرضت الخزانة الأمريكية عقوبات عليه، واصفة إياه بـ”ممول حماس المقيم في السودان”. الحيثيات الأمريكية ربطته بإدارة شركات ومحافظ استثمارية حولت ملايين الدولارات، وكشفت عن شبكة شركاته الممتدة، ومنها الرواد للتطوير العقاري.

من الحسابات المصرفية إلى خنادق القتال

لم يقف تتبع واشنطن عند رجال الأعمال، بل امتد لساحات المعارك. في سبتمبر 2025، أدرجت وزارة الخزانة ميليشيا “لواء البراء بن مالك” على قوائم العقوبات، قبل أن تُصنف الحركة الإسلامية  “جماعة الإخوان المسلمين السودانية” كمنظمة إرهابية أجنبية في مارس 2026. الاتهامات الأمريكية أشارت صراحة إلى إسهام الجماعة بأكثر من 20 ألف مقاتل في حرب السودان الحالية، متهمة إياهم بتلقي تدريب ودعم من الحرس الثوري الإيراني.

وتكتمل حلقة المال والسلاح بمحاكمة أبوظبي؛ ففي أكتوبر 2026، أصدرت محكمة إماراتية أحكاماً بالسجن المؤبد على شبكة ضمت ثمانية سودانيين، أبرزهم الفريق ياسر العطا والمدير السابق للمخابرات صلاح قوش، بتهم تتعلق بتهريب الأسلحة والذخائر للجيش السوداني وغسل الأموال. ورغم أن هذا التطور يكشف حجم شبكات التهريب الدولية، إلا أن ربط جميع هؤلاء المحكومين، بشكل مباشر، بأموال الحركة الإسلامية المستردة يتطلب الوصول إلى أوراق الادعاء وملفات المحكمة.

بين مليارات النفط المفقودة في آسيا، وعقارات الخرطوم المصادرة، ومحاكمات تهريب السلاح في الخليج، تبدو قصة الحركة الإسلامية في السودان أكبر من مجرد فساد سياسي. إنها قصة شبكة أخطبوطية نجحت في تحويل موارد دولة كاملة إلى اقتصاد ظل، ثم استخدمت هذا الاقتصاد لتمويل حرب دمرت ما تبقى من تلك الدولة.

بعد كل هذه السنوات من الثورة والانقلاب والدمار، تظل الإجابات معلقة في أروقة المصارف والمحاكم المغلقة؛ فاسترداد أموال الشعوب لا يكتمل بمجرد مؤتمر صحفي يعلن المصادرة، بل يبدأ حين تُعاد هذه الملايين إلى الخزينة العامة، ويُحاسب من نهبها، ومن أعاد توظيف ثروة البلاد في قتل أبنائها.

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى