لم تعد الحرب في السودان تُقاس فقط بعدد المدن التي تتغير السيطرة عليها، أو المساحات التي تتقدم فيها الجيوش وتتراجع. هناك حرب أخرى تجري بصمت داخل الأسواق والمنازل والمخابز، حيث يكتشف السودانيون كل يوم أن الوصول إلى الطعام والكهرباء والدواء أصبح معركة لا تقل قسوة عن المعارك المسلحة.
في ولاية كسلا، يصل سعر جوال الذرة من بعض الأصناف إلى 800 ألف جنيه سوداني، ويرتفع سعر جوال «طابت» إلى 850 ألفاً، وفق قائمة أسعار محلية. أما القمح، الذي يدخل في غذاء ملايين السودانيين، فيقترب سعر جواله من المستوى نفسه. وبينما تتفاوت تكلفة الربع الجاهز من الحبوب في الطواحين، تتقلص قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، في بلد اعتاد أهله أن تكون الحبوب جزءاً من يومهم، لا سلعة يثقل شراؤها كاهلهم.
هذه الأسعار ليست مجرد أرقام في دفتر تاجر. إنها انعكاس لأزمة أوسع، تتداخل فيها الحرب مع تراجع الإنتاج الزراعي، واضطراب طرق النقل والإمداد، وارتفاع تكاليف الوقود ومدخلات الإنتاج، وانهيار القوة الشرائية. وعندما تصبح تكلفة الغذاء بعيدة عن دخل الأسرة، لا يكون السؤال عما ستشتريه فحسب، بل عما ستضطر إلى الاستغناء عنه.
وتزداد الصورة قتامة حين تتعرض البنية التحتية للهجمات. فانقطاع الكهرباء لا يعني غياب الإنارة وحدها؛ فقد يهدد حفظ الأدوية، ويعطل ضخ المياه، ويزيد خسائر المزارعين والتجار. وهكذا تتصل حلقات الأزمة بعضها ببعض: الحرب تعطل الخدمات، وتعطل الخدمات يرفع تكاليف الإنتاج، وارتفاع التكاليف ينتقل إلى أسعار الغذاء، ثم يدفع المواطن الثمن من صحته وتعليمه وقدرته على الاستمرار.
وفي الريف، يضيف الجفاف وتراجع الأمطار عبئاً آخر على الزراعة والأمن الغذائي. لا يحتاج المزارع إلى أرض صالحة فحسب، بل إلى بذور ووقود وتمويل وأسواق آمنة وطرق مفتوحة. وحتى إذا تحسنت الظروف المناخية، فإن غياب هذه الشروط قد يحول دون وصول المحصول إلى السوق، أو يجعله مكلفاً إلى درجة لا يستطيع معها المستهلك شراءه.
المشكلة، إذن، ليست في ارتفاع الأسعار وحده، بل في تآكل قدرة المجتمع على امتصاص الصدمات. فالأسر النازحة، والعاملون بأجور محدودة، والنساء اللاتي يعُلن أسرهن، والأطفال الذين انقطعوا عن التعليم، جميعهم يواجهون الأزمة بموارد أقل واحتياجات لا تنتظر.
ولا يمكن أن تكون الاستجابة مجرد بيانات عن المساعدات أو وعود باستعادة الإنتاج. المطلوب حماية المدنيين والبنية التحتية، وضمان وصول الإغاثة بلا عوائق، وتأمين الممرات التجارية، ودعم المزارعين، ومراقبة الأسواق، وتوسيع برامج المساعدات النقدية والغذائية للفئات الأكثر هشاشة. كما ينبغي نشر بيانات دورية موثوقة عن الأسعار والأجور وتوافر السلع، حتى تُبنى التدخلات على الواقع لا على التقديرات العامة.
إن إنهاء الحرب يظل المدخل الضروري لاستعادة الحياة، لكن حماية الناس من الجوع لا تحتمل الانتظار حتى يتحقق السلام. فالسودان لا يخسر معاركه في ساحات القتال وحدها؛ إنه يخسر أيضاً حين يعجز أب عن شراء غذاء أسرته، أو مريض عن حفظ دوائه، أو طفل عن العودة إلى مدرسته.
وعندما تصبح لقمة العيش جبهة أخرى للحرب، فإن معيار أي حل سياسي لا ينبغي أن يكون ما يحققه للمتفاوضين وحدهم، بل ما يعيده إلى حياة الناس من أمان وقدرة على الأكل والعمل والتعلم. فالسودان الذي يستحقه مواطنوه ليس مجرد بلد تتوقف فيه البنادق، بل بلد يستطيع فيه الناس أن يعيشوا بكرامة.
