من هجمات الكهرباء والوقود إلى معسكرات الحدود وتوتر القرن الأفريقي: هل تتسع الحرب السودانية إقليمياً؟
كسلا| تفاصيل بلدنا
اتهمت سلطة الأمر الواقع التي تقودها القوات المسلحة ، إثيوبيا بالسماح باستخدام أراضيها منصةً لإطلاق طائرات مسيّرة استهدفت منشآت مدنية وحيوية داخل السودان، وقالت إنها تمتلك بيانات فنية وصور أقمار صناعية تدعم اتهاماتها. وجاء ذلك خلال مؤتمر صحفي مشترك في الخرطوم، الأربعاء 28 أكتوبر، شاركت فيه مؤسسات حكومية وأمنية، بينها وزارتا الخارجية والدفاع وجهاز المخابرات العامة، في تصعيد جديد للتوتر بين البلدين على خلفية الحرب السودانية.
ووفقاً لما نقلته تقارير صحفية ،عرض المسؤولون السودانيون إحداثيات لمسارات طيران قالوا إنها تشير إلى انطلاق المسيّرات من داخل إثيوبيا، بما في ذلك مطار بحر دار، إلى جانب أجزاء من مسيّرات قال الجيش إنه اعترضها. لكن هذه التقارير أشارت إلى أنهما لم تتمكنا من التحقق بصورة مستقلة من الأدلة أو تحديد مصدر المسيّرات. ولم يصدر عن الحكومة الإثيوبية تعليق فوري على الاتهامات وقت نشر التقارير.
ويأتي التصعيد بينما تتعرض مناطق سودانية متباعدة لهجمات على محطات الكهرباء ومستودعات الوقود، في تطور يوسّع نطاق التأثير المباشر للحرب، ويضع شرق البلاد والحدود الجنوبية الشرقية في قلب مخاوف أمنية تتجاوز خطوط القتال المعتادة.
لماذا افتتحت الخرطوم تصعيدها باتهام إثيوبيا؟
في تصريحاتٍ لوسائل إعلام ، قال وكيل وزارة الخارجية السودانية، السفير معاوية عثمان خالد، خلال المؤتمر الصحفي إن السودان يمتلك أدلة فنية وصور أقمار صناعية تثبت، وفق رواية الحكومة، انطلاق مسيّرات من الأراضي الإثيوبية، ودعا المجتمع الدولي إلى التعامل مع ما وصفه بالعدوان الإثيوبي الإماراتي على السودان. وأكد أن بلاده تحتفظ بحق الدفاع عن أراضيها.
بينما صرح وكيل وزارة الثقافة والإعلام، جراهام عبد القادر، إن الهجمات الأخيرة طالت مرافق صحية ودور عبادة وأحياء سكنية ومنشآت للطاقة في ولايات عدة، وإن تعطيل الخدمات يهدد الإنتاج الزراعي ويعرقل عودة السكان إلى مناطقهم. وهي اتهامات صادرة عن مسؤولين سودانيين.
أما وزارة الخارجية السودانية، ففي بيان منفصل نُشر عبر منصة الناطق الرسمي في 29 أكتوبر الجاري ، اتهمت قوات الدعم السريع بتكثيف هجمات المسيّرات التي قالت إن الإمارات توفرها وتنطلق من الأراضي الإثيوبية. ودعت الوزارة مجلس الأمن ومجلس السلم والأمن الأفريقي إلى تحمل مسؤولياتهما، مؤكدة احتفاظ السودان بحقه في اتخاذ الإجراءات التي تراها ضرورية للدفاع عن أراضيه. وتظل هذه اتهامات رسمية سودانية، وليست بحد ذاتها نتيجة تحقيق دولي مستقل.
محطات الكهرباء والوقود.. كيف امتدت الهجمات شرقاً؟
في 26 أكتوبر ، أفادت رويترز بأن هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت محطات كهرباء في جنوب شرق السودان، وفق إعلان شركة الكهرباء السودانية، وأدت إلى انقطاع الإمدادات في مناطق عدة. ونقلت الوكالة اتهام السلطات لقوات الدعم السريع بالمسؤولية، لكنها قالت إنها لم تتمكن بصورة مستقلة من التحقق من الجهة المنفذة.
وفي تغطياتٍ صحفية في 28 أكتوبر، وردت أنباء عن استهداف محطة كهرباء ومنشآت لتخزين الوقود في المناقل بولاية الجزيرة، إلى جانب مستودعات وقود وخط أنابيب مرتبط بميناء بشائر في ولاية البحر الأحمر. وأشارت التغطيات إلى أن الهجمات تسببت في انقطاع الكهرباء بالمناقل ومحيطها، فيما كانت محطة المرخيات شمال غربي أم درمان قد تعرضت لهجوم في اليوم السابق.
وتتجاوز آثار هذه الهجمات الأضرار التي تلحق بالمعدات؛ إذ يمكن أن يؤدي انقطاع الكهرباء وتعطل الوقود إلى إرباك تشغيل محطات المياه والمرافق الصحية والأنشطة الزراعية والتجارية. وفي شرق السودان، حيث ترتبط المنشآت الحيوية بالنقل والإمداد والاقتصاد المحلي، قد تتحول الضربات المتكررة إلى ضغط مباشر على حياة المدنيين، حتى في المناطق البعيدة عن خطوط الاشتباك.
معسكرات داخل إثيوبيا.. ماذا تقول التقارير السابقة؟
في 3 سبتمبر، اتهم عبد العاطي محمد الفكي، مفوض محلية الكرمك بإقليم النيل الأزرق، قوات الدعم السريع بإدارة أربعة معسكرات داخل الأراضي الإثيوبية، قال إنها تُستخدم لتدريب مقاتلين ومجندين أجانب، وتوفير الدعم اللوجستي وتشغيل المسيّرات. وحدد الفكي مواقع قال إنها تشمل معسكر «فانو» ومواقع أخرى قرب أسوسا. وأكدت الصحيفة أنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من هذه الادعاءات.
وفي 7 سبتمبر، جدد الفكي اتهاماته، متحدثاً عن وصول مقاتلين إلى معسكر داخل إقليم بني شنقول-قمز الإثيوبي. وأشارت تقارير صحفية إلى أن إثيوبيا والإمارات سبق أن نفتا اتهامات سودانية بشأن تقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع.
وفي تحقيق نشرته رويترز في 10 فبراير 2026، تناولت الوكالة معسكراً قالت مصادر متعددة إنه يُستخدم لتدريب مقاتلين مرتبطين بقوات الدعم السريع داخل إثيوبيا، واستند التحقيق إلى مقابلات وصور أقمار صناعية. كما نشر مختبر الأبحاث الإنسانية في كلية الصحة العامة بجامعة ييل تحليلاً في أغسطس أشار إلى مؤشرات على توسع البنية العسكرية واللوجستية في قاعدة إثيوبية بمنطقة أسوسا. وتدعم هذه التحقيقات وجود أسباب تستحق المزيد من التدقيق، لكنها لا تثبت تلقائياً جميع التفاصيل التي أوردها المسؤولون السودانيون بشأن المعسكرات أو الجهات التي تمولها أو تصدر الأوامر منها.
هل تتحول الحدود إلى جبهة إقليمية؟
تزيد هذه الاتهامات من حساسية الحدود السودانية الإثيوبية، خصوصاً في إقليم النيل الأزرق، حيث يتزامن القتال مع حركة مقاتلين وإمدادات ومخاوف من اتساع نطاق المواجهة. وإذا ثبت استخدام الأراضي الإثيوبية لإسناد عمليات عسكرية داخل السودان، فقد يؤدي ذلك إلى تغيير حسابات الحرب ورفع احتمالات التصعيد بين الدولتين. أما إذا بقيت الأدلة غير منشورة أو غير قابلة للتحقق المستقل، فإن تبادل الاتهامات وحده قد يدفع العلاقات الثنائية نحو مزيد من التدهور.
وفي سياق منفصل لكنه متصل جغرافياً، أفادت «الغارديان» في 8 أكتوبر بتصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، وسط اتهامات متبادلة ومخاوف من عودة المواجهة بين البلدين. ولا تثبت هذه التطورات وجود خطة مشتركة تربط التوتر الإثيوبي الإريتري بالحرب السودانية، لكنها تضع شرق السودان داخل محيط إقليمي يشهد اضطراباً أمنياً وتنافساً على النفوذ والحدود والوصول إلى البحر الأحمر.
ما الذي ينبغي التحقق منه الآن؟
تتمثل الخطوة الأهم في نشر الأدلة التي قالت السلطات إنها عرضتها، بما يسمح لجهات مستقلة بفحص صور الأقمار الصناعية وإحداثيات الطيران وبقايا المسيّرات، ومقارنتها بالمواقع والتوقيتات المعلنة للهجمات. كما أن الحصول على رد رسمي إثيوبي مفصل بشأن الاتهامات الأخيرة، ومراجعة أي معلومات مستقلة عن مسارات الإمداد، ضروريان لتحديد ما يمكن إثباته وما لا يزال موضع ادعاء.
شرق السودان.. ما وراء خطوط القتال
تكشف التطورات الأخيرة أن شرق السودان لم يعد بعيداً عن الآثار المباشرة للحرب. فالهجمات على الكهرباء والوقود توسع دائرة الضرر المدني، والاتهامات المتعلقة بالأراضي الإثيوبية تثير أسئلة خطيرة عن احتمال امتداد الإمداد العسكري عبر الحدود، فيما يضيف التوتر في القرن الأفريقي طبقة جديدة من المخاطر.
لكن الأدلة المتاحة لا تبرر الجزم بأن حرباً إقليمية شاملة قد بدأت، ولا أن جميع الاتهامات السودانية ثبتت بصورة مستقلة. ما تؤكده التطورات هو الحاجة إلى تحقيقات موثوقة، وحماية البنية التحتية المدنية، وتحرك دبلوماسي يمنع انتقال الحرب إلى مواجهة مفتوحة بين دول الجوار.
