نيالا | تفاصيل بلدنا
لم يكن سوق تنقونج في حي دوماية غربي نيالا، مساء الاثنين 26 أكتوبر، مجرد مكان لشراء الاحتياجات اليومية. كان مساحةً يعمل فيها بائعون لكسب قوت يومهم، وتتوقف عندها أسر للحصول على الطعام، قبل أن يتحول، في لحظات، إلى موقع تتناثر فيه الجثامين ويهرع فيه المصابون طلباً للنجاة.
استهدفت ضربة جوية السوق، وفق إفادات محلية ومنظمة أطباء بلا حدود، بينما تحدثت المنظمة عن ضربة أخرى طالت حياً سكنياً. وخلال الأيام التالية، تصاعدت حصيلة القتلى والجرحى في البيانات الصادرة عن وزارة الصحة التابعة لحكومة «تأسيس»، لتكشف حجم المأساة، وتسلط الضوء في الوقت نفسه على صعوبة الوصول إلى رقم نهائي موثوق للضحايا.
أرقام ترتفع.. وحصيلة لم تُحسم
في 27 أكتوبر، أعلن وزير الصحة في سلطة الأمر الواقع حكومة «تأسيس»، علاء الدين نقد، مقتل 102 شخص وإصابة 113 آخرين في الهجوم على سوق تنقونج. لاحقاً، ارتفعت الحصيلة التي أعلنتها الوزارة إلى 188 قتيلاً و356 جريحاً، أي 544 قتيلاً ومصاباً في المجموع. وقالت الوزارة إن الأرقام استندت إلى تقارير المؤسسات الصحية والفرق الطبية العاملة ميدانياً، وإن الحصر قد يتواصل مع ورود معلومات جديدة.
وفي تصريحات صحفية نُشرت في 30 أكتوبر، قال الوزير إن عدد القتلى تجاوز 200 شخص .
ما الذي وصل إلى المستشفى؟
قدمت منظمة أطباء بلا حدود مؤشراً مستقلاً على حجم الإصابات. وقالت إن مستشفى نيالا التعليمي، الذي تدعمه، استقبل جثامين 36 شخصاً، كان 21 منهم يرتدون ملابس مدنية، فيما عالجت الفرق الطبية أكثر من 150 مصاباً.
وتحدثت المنظمة عن إصابات بالشظايا وحروق خطيرة، بين المصابين نساء وأطفال. ووصف عاملون طبيون الضغط الذي واجهوه في التعامل مع تدفق الجرحى، في وقت تعاني فيه المرافق الصحية من نقص في الأدوية والمستلزمات الجراحية وأكياس الدم.
وراء الأرقام.. أشخاص كانوا يبحثون عن الرزق
تكشف إفادات الشهود التي نقلتها وسائل إعلام عن الوجه الإنساني للهجوم: نساء يبعن الطعام والشاي، وعاملون في متاجر ومطاعم شعبية، وأشخاص يقصدون السوق لتأمين احتياجات أسرهم. وأفاد شهود بأن بعض الباعة كانوا يعملون قرب تجمعات للمقاتلين، في واقع تفرض فيه الحرب والبطالة على المدنيين البحث عن مصادر رزق ضيقة ومحفوفة بالمخاطر.
ويرى مراقبون أن وجود مسلحين في محيط سوق، إذا ثبت، لا يلغي الحماية التي يتمتع بها المدنيون، ولا يعفي أي طرف من واجباته في حماية السكان واتخاذ الاحتياطات اللازمة أثناء العمليات العسكرية. وتحديد ما إذا كان الهجوم قد خالف القانون الدولي الإنساني يتطلب تحقيقاً مستقلاً يفحص الهدف العسكري المحتمل، وطبيعة الهجوم، والأضرار المتوقعة والفعلية، والتدابير التي اتخذت لحماية المدنيين.
مسؤولية تحتاج إلى تحقيق مستقل
نسبت وزارة الصحة التابعة لسلطة الأمر الواقع حكومة «تأسيس» الهجوم إلى القوات المسلحة السودانية، كما نسبت منظمة أطباء بلا حدود الضربة إلى مسيّرة تابعة للجيش. ولم تتمكن التغطيات المتاحة من تقديم حصيلة نهائية مستقلة أو كشف كامل يحدد هويات جميع القتلى وظروف مقتلهم.
نيالا تنتظر أكثر من إعلان الحصيلة
ووفقاً لمصادر محلية لم تنتهي المأساة عند إعلان عدد القتلى. فهناك مصابون يحتاجون إلى العلاج، وأسر تبحث عن مفقودين، وذوو ضحايا يحتاجون إلى معرفة مصير أحبائهم، ومرافق صحية تواجه ضغطاً شديداً في ظل نقص الإمدادات.
حتى 31 أكتوبر، لم تتوفر في المصادر التي أمكن التحقق منها حصيلة نهائية مستقلة تجمع القتلى والجرحى والمفقودين، وتفصل بين ضحايا السوق وضحايا الضربة التي طالت الحي السكني.
في نيالا، لا تختصر الأرقام المأساة؛ لكنها تضع حجمها أمام العالم. وخلف كل رقم شخص كان له اسم وأسرة وحياة، وربما خرج في ذلك المساء ليعود إلى منزله بما يسد حاجة عائلته. ولم يعد.
