تفاصيل بلدنا

محميات السودان في زمن الحرب.. ثروة طبيعية مهددة وغياب لبيانات الحماية

فريق التحرير وقت القراءة: 4 د

الخرطوم |تفاصيل بلدنا

تمتد المحميات الطبيعية في السودان عبر بيئات متنوعة، من السافانا والأراضي الرطبة إلى الغابات والمناطق الجبلية. وتضم هذه البيئات أنواعاً نادرة من الحياة البرية التي تمثل جزءاً من الثروة الطبيعية للبلاد، فضلاً عن أهميتها القصوى للسكان المحليين.

لكن مع استمرار النزاع المسلح، لم تعد الأزمة تقتصر على غياب بيانات الحماية الميدانية فحسب؛ بل تحولت المحميات الطبيعية والغابات الاستراتيجية إلى ساحات معارك، ومصادر للاحتطاب الجائر، ونقاط لتهريب السلاح والتعدين العشوائي. وعبر تقصي مفتوح المصدر للمشهد البيئي في السودان حتى أواخر عام 2026، نرصد حجم الكارثة التي طالت أبرز المعالم الطبيعية في البلاد.

“غابة السنط”.. الخرطوم تفقد رئتها تحت فؤوس الحرب

لم تكن الأشجار في العاصمة الخرطوم بمنأى عن ويلات الحرب. “غابة السنط”، التي طالما عُرفت بكونها “رئة الخرطوم” وموطناً للطيور المائية وأجود أنواع العسل ومصداً طبيعياً لامتصاص الانبعاثات، تتعرض اليوم لمذبحة بيئية مستمرة ،وكان محيط الغابة مسرحاً للمعارك بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع وسط الخرطوم ،وبعد خروج قوات الدعم السريع من العاصمة ، أصبحت تحت سيطرة القوات المسلحة والتي تركت الباب مفتوحاً للقطع الجائر ووثقت مصادر محلية مشاركة بعض أفراد القوات المسلحة في القطع .

وتكشف تقارير رصد حديثة، صدرت في منتصف عام 2026، أن نحو 60% من الغابات في السودان تعرضت للتدهور الشديد بسبب القطع الجائر خلال سنوات الحرب، وكانت ولايات الخرطوم، الجزيرة، وسنار هي الأكثر تضرراً. وتحت وطأة انقطاع الوقود والكهرباء، تحولت أشجار السنط المعمرة إلى وقود وبديل لـ”حطب النار” والفحم، فيما تبددت جهود إعادة التشجير بسبب غياب المظلة الأمنية والتشريعية، ما يهدد بكارثة مناخية وخنق تام للعاصمة التي تتكدس فيها مخلفات الحرب.

محمية جبل الداير.. حصار الطبيعة والمجتمعات

يمثل “جبل الداير” في شمال كردفان نظاماً بيئياً فريداً ومزاراً سياحياً وأثرياً ضمن شبكة المحميات الجبلية. ومع ذلك، لم تشفع له طبيعته الساحرة من ويلات النزاع. ففي أبريل 2024، تحولت المنطقة إلى ساحة للانتهاكات بعد أن فرضت قوات الدعم السريع حصاراً خانقاً على القرى التي تؤوي آلاف المدنيين داخل تخوم المحمية.

ولم يقتصر الأمر على تدمير الموائل الطبيعية وتخويف الحياة البرية بأصوات القصف، بل شمل منع القوافل التجارية وإمدادات الغذاء عن السكان المحليين الذين يعتبرون خط الدفاع الأول عن المحمية، ما أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين وتحويل أجزاء من المحمية إلى ما يشبه “مدن الأشباح”، وهو ما يعكس كيف يُستخدم تدمير البيئة وخنق مواردها كسلاح ضد المدنيين.

الدندر.. من ملاذ للطيور المهاجرة إلى ساحة للقبور

تأسست حديقة الدندر القومية عام 1935 وأُدرجت ضمن شبكة محميات المحيط الحيوي (اليونسكو) لكونها تعج بالسافانا والمراعي التي تأوي الجاموس الإفريقي والطيور المهاجرة. إلا أن تمدد العمليات العسكرية حوّل المحمية التي تقع على التخوم بين ولايتي سنار والقضارف إلى نقطة تماس عسكري مشتعلة.

وأدى تمدد قوات الدعم السريع في صيف 2024 إلى نقل الحرب لعمق بيئة المحمية، ما أدى إلى نزوح السكان وفرار الحيوانات. وبحلول فبراير 2025، أصبحت أراضي المنطقة شاهدة على مآسٍ إنسانية معقدة، حيث وثقت تقارير عمليات نبش لرفات ضحايا المعارك من داخل المحلية لإعادة دفنهم في مقابر المدينة، ما يؤكد أن المنطقة فقدت صفتها كمحمية طبيعية آمنة وباتت ميداناً للكر والفر العسكري.

الردوم.. اقتصاديات الحرب تنهش التنوع الحيوي

في أقصى جنوب غرب السودان (ولاية جنوب دارفور)، تقع محمية الردوم بمحاذاة إفريقيا الوسطى وجنوب السودان، والتي توفر موائل لأعداد من الفيلة والزرافات.

وبسبب الحرب والفراغ الأمني الطويل، تحولت طبيعتها الجغرافية الوعرة والممتدة إلى ملاذ آمن للأنشطة غير المشروعة. وتؤكد تقارير الخبراء البيئيين أن المنطقة باتت تعاني من فوضى التعدين العشوائي عن الذهب الذي لا يفرق بين حيوان مهدد بالانقراض أو غطاء نباتي نادر. إضافة إلى ذلك، نشطت فيها شبكات تهريب السلاح وزراعة الحشيش (المخدرات)، ما يجعل حماية هذه المحمية حالياً ضرباً من المستحيل في ظل اقتصاديات الحرب التي تنهش التنوع الحيوي لتمويل النزاع.

غياب البيانات الرسمية الحديثة لا يعني غياب الانتهاكات، بل يؤكد أن الحرب في السودان أحدثت ندوباً عميقة في جسد البيئة لا تقل خطورة عن خسائر البنية التحتية. والخطوة الطارئة الآن تتطلب تدخلاً من المؤسسات البيئية الدولية لتوثيق هذا التدهور البيئي، لحماية ما تبقى من ثروات السودان الطبيعية قبل نقطة اللاعودة.

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى