تفاصيل بلدنا

البرهان في موسكو: بحث عن شراكة أم إعادة تموضع في حرب السودان؟

فريق التحرير وقت القراءة: 4 د

موسكو |تفاصيل بلدنا

زار عبد الفتاح البرهان، رئيس سلطة الأمر الواقع ف وقائد الجيش السوداني، موسكو في أواخر أكتوبر 2026، للمشاركة في القمة الروسية الإفريقية الثالثة وإجراء مباحثات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. جاءت  الزيارة في وقت تبحث فيه سلطة الأمر الواقع التي يترأسها البرهان ، عن دعم سياسي واقتصادي خارجي، بينما تدخل الحرب مع قوات الدعم السريع عامها الرابع، وتتعرض البلاد لضغوط عسكرية واقتصادية وإنسانية متصاعدة.

لم تكن الزيارة بروتوكولية فقط. فقد طرح البرهان الارتقاء بالعلاقات السودانية الروسية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، وأبدى استعداد السودان لتوفير مواقع لاستخراج الذهب والنحاس ومعادن أخرى أمام الشركات الروسية، إلى جانب اقتراح إنشاء منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر، يمكن أن تستخدمها موسكو لتخزين الوقود والقمح. كما تحدث عن فرص للتعاون في تطوير شبكة السكك الحديدية والبنية التحتية للنقل.

ماذا تقول تصريحات البرهان؟

في خطابه أمام القمة، قال البرهان إن السلام ينبغي أن يكون سودانياً، بعيداً عن الإملاءات والتدخلات الخارجية، وإن حكومته تسعى إلى تهيئة الظروف لانتقال مدني ديمقراطي عبر حوار داخلي، يعقبه انتقال سياسي وانتخابات حرة ونزيهة تحت رقابة إقليمية ودولية. وفي المقابل، وصف الحرب بأنها عدوان تشنه «ميليشيا متمردة إرهابية»، واتهم أطرافاً إقليمية ودولية لم يسمّها بتقديم دعم سياسي ولوجستي لقوات الدعم السريع. هذه اتهامات صادرة عن البرهان، وليست كلها وقائع ثبتت بصورة مستقلة في سياق الزيارة.

تكشف هذه اللغة عن مسارين سياسيين متوازيين. الأول، السعي إلى تثبيت شرعية مؤسسات الدولة التي يقودها الجيش، وتقديم الحرب باعتبارها مواجهة بين الدولة وتمرد مسلح، لا صراعاً على السلطة بين قوتين عسكريتين. والثاني، محاولة حصر التسوية السياسية في إطار يرفض ما تصفه الحكومة بالإملاءات الخارجية، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام رقابة إقليمية ودولية على الانتخابات.

لكن ثمة سؤالاً لم تجب عنه التصريحات بصورة تفصيلية: كيف يمكن الانتقال إلى حكم مدني تنافسي بينما يستمر القتال، وتتعدد مراكز القوة المسلحة، وتظل شروط المشاركة السياسية وضمانات استقلال العملية الانتخابية محل خلاف؟ لذلك، فإن الإعلان عن هدف الانتقال المدني يظل موقفاً سياسياً معلناً، لا دليلاً بذاته على وجود جدول زمني قابل للتنفيذ أو توافق سوداني واسع حول شروطه.

ماذا تريد موسكو؟

من جهته، أعلن بوتين استعداد روسيا للمساعدة في إنهاء الحرب وتحقيق السلام، وأشار إلى الأضرار الإنسانية والاقتصادية التي خلفها النزاع. كما قدم للجانب السوداني خارطة طريق مقترحة للتعاون في التجارة والصناعة والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والصحة والتعليم والخدمات اللوجستية. وأعلن منح مئة منحة دراسية حكومية للطلاب السودانيين في الجامعات الروسية لعام 2026، مع خطط لرفع العدد إلى 140 في العام التالي. ولم تُعلن، في المعلومات المنشورة عن اللقاء، تفاصيل مالية ملزمة أو جدول تنفيذ شامل للمشروعات المقترحة.

سياسياً، تمتلك موسكو رصيداً مهماً لدى السلطات السودانية؛ إذ سبق أن استخدمت حق النقض في مجلس الأمن ضد مشروع قرار بشأن النزاع في نوفمبر 2024، وعارضت توسيع حظر السلاح ليشمل مناطق خارج دارفور. ويعزز هذا السجل أهمية روسيا بالنسبة إلى الخرطوم في المحافل الدولية، خصوصاً في ظل سعي الحكومة إلى مواجهة الضغوط الخارجية والحصول على دعم لإعادة الإعمار.

اقتصادياً، تبدو العروض السودانية محاولة لتحويل التقارب السياسي إلى استثمارات في التعدين والطاقة والزراعة والنقل. غير أن الفرق كبير بين عرض الموارد والمواقع الاستثمارية وبين تنفيذ المشروعات فعلياً. فالحرب ومخاطر النقل والتمويل والتأمين، فضلاً عن هشاشة البنية التحتية، تجعل أي اتفاق استثماري بحاجة إلى عقود واضحة وضمانات أمنية وتمويل قابل للتحقق. كما أن منح روسيا امتيازات في قطاعات استراتيجية قد يثير أسئلة بشأن شروط التعاقد، والعائد المالي للدولة، ونصيب المجتمعات المحلية من الموارد.

البحر الأحمر والتحالفات الإقليمية

يمثل اقتراح المنطقة الاقتصادية الحرة على البحر الأحمر أكثر عناصر الزيارة حساسية من الناحية الاستراتيجية. فالموقع لا يتعلق بالتجارة وحدها، بل بممرات النقل والطاقة وإمدادات الغذاء، في منطقة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية. ومع ذلك، لا تكفي فكرة المنطقة الحرة وحدها للاستنتاج بأن السودان وافق على إنشاء قاعدة عسكرية روسية أو منح موسكو امتيازاً عسكرياً؛ إذ لا تثبت المعلومات المنشورة عن الزيارة وجود اتفاق معلن من هذا النوع.

وتأتي الخطوة أيضاً ضمن مساعي روسيا لتوسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في إفريقيا، فيما يحاول البرهان  تنويع شركائه الخارجيين والحصول على موارد تدعم سلطته  في الحرب وما بعدها. وقد تمنح الشراكة الخرطوم هامش مناورة دبلوماسياً، لكنها قد تثير في الوقت نفسه تحفظات لدى أطراف إقليمية ودولية تراقب تمدد النفوذ الروسي في البحر الأحمر.

هل تتغير موازين الحرب؟

لا يوجد، في المعلومات المنشورة عن الزيارة، ما يثبت إبرام اتفاق عسكري جديد أو إعلان تسليح روسي محدد للجيش السوداني. ولذلك، فإن الحديث عن تحول عسكري مباشر نتيجة الزيارة سابق لأوانه. وقد تكون المكاسب الأقرب إلى التحقق سياسية ودبلوماسية واقتصادية، بينما يظل أثرها على الميدان مرهوناً بما إذا كانت التصريحات ستتحول إلى اتفاقات عملية.

وفقاً لتحليلاتٍ وقراءاتٍ للزيارة  يراهن البرهان على موسكو لتوسيع هامش الدعم السياسي وفتح مسارات اقتصادية جديدة، بينما تسعى روسيا إلى ترسيخ حضورها في السودان والبحر الأحمر. لكن نجاح الزيارة لن يقاس بلغة الشراكة الاستراتيجية وحدها؛ بل بقدرتها على إنتاج استثمارات شفافة، ومنافع ملموسة للسودانيين، ودعم مسار ينهي الحرب ويهيئ لانتقال مدني حقيقي. وحتى الآن، فإن أبرز ما أُعلن هو إطار للتعاون ومقترحات اقتصادية وتعهد روسي بالمساعدة على السلام، لا اتفاق شامل يضمن وقف القتال أو إعادة بناء الاقتصاد.

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى