الخرطوم | تفاصيل بلدنا
بالنسبة إلى طالب سوداني أنهى المرحلة الثانوية، لا تنتهي رحلة الوصول إلى الجامعة بالحصول على الشهادة أو استيفاء شروط القبول. فهناك اختبار آخر ينتظره: هل تستطيع أسرته تحمل تكاليف الدراسة؟ وهل تكفي مواردها لدفع رسوم التسجيل والرسوم الدراسية، إلى جانب نفقات السكن والترحيل والمعيشة، في بلد أنهكت الحرب اقتصاده وأضعفت مصادر دخل ملايين الأسر؟
لكن الأمر ليس مقتصراً على الطلاب في مناطق سيطرة القوات المسلحة فقط من ناحية الرسوم الجامعية ، ففي مناطق سيطرة قوات الدعم السريع يغيب تماماً التعليم العالي عن المشهد وفقد مئات آلاف الطلاب قدرتهم على الدراسة الجامعية بسبب ظروف الحرب وعدم قدرتهم على أداء امتحانات الشهادة السودانية .
في العام الدراسي 2026–2027، تبدو هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً مع إعلان الجامعات السودانية رسوماً دراسية تصل إلى ملايين الجنيهات في عدد من التخصصات، بالتزامن مع قرار وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تحديد سقف رسوم تسجيل الطلاب السودانيين عند 600 ألف جنيه، وإعلان منح للبكالوريوس في الجامعات الخاصة والأهلية والأجنبية، لا تغطي سوى الرسوم الدراسية.
تكشف هذه التطورات عن فجوة بين إتاحة فرصة القبول الجامعي والقدرة الفعلية على الالتحاق والاستمرار. فالطالب الذي يحصل على مقعد في كلية الطب أو الهندسة، على سبيل المثال، قد يجد نفسه أمام تكلفة تتجاوز قدرة أسرته، حتى قبل احتساب النفقات الأخرى المرتبطة بالحياة الجامعية.
من مقعد الجامعة إلى معركة تدبير الرسوم
تضع الرسوم الجامعية المرتفعة الطلاب وأسرهم أمام خيارات صعبة. فبعض الأسر قد تضطر إلى إعادة ترتيب أولويات إنفاقها، أو الاستدانة، أو البحث عن مصادر دخل إضافية لتأمين رسوم الدراسة. وفي المقابل، قد يجد طلاب آخرون أنفسهم مضطرين إلى تأجيل الالتحاق بالجامعة، أو تغيير التخصص الذي يرغبون فيه، أو البحث عن مؤسسة تعليمية أقل تكلفة.
وتزداد هذه الضغوط في ظل تداعيات الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، وما صاحبها من فقدان وظائف ومصادر دخل، ونزوح وتشتت للأسر، وارتفاع تكاليف المعيشة والتنقل. كما أن انتقال بعض المؤسسات التعليمية أو استئنافها الدراسة في مواقع بديلة يضيف أعباء محتملة على الطلاب الذين يحتاجون إلى السكن والترحيل والإقامة بعيداً عن مناطقهم.
ولا تتوقف المشكلة عند دفع الرسوم المعلنة. فالتكلفة الفعلية للتعليم الجامعي تشمل أيضاً الكتب والمراجع والأدوات الدراسية، والاتصال بالإنترنت، والمواصلات، والسكن والإعاشة، وهي نفقات لا تظهر بالضرورة في جداول الرسوم الرسمية.
وبذلك، لا يصبح السؤال فقط عن عدد المقاعد المتاحة في الجامعات، بل عن عدد الطلاب الذين يستطيعون تحمل كلفة الوصول إليها ومواصلة الدراسة فيها حتى التخرج.
600 ألف جنيه للتسجيل.. وملايين للرسوم الدراسية
في 29 أكتوبر 2026، أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تحديد سقف رسوم تسجيل الطلاب السودانيين في مؤسسات التعليم العالي الحكومية وغير الحكومية بمبلغ لا يتجاوز 600 ألف جنيه، بموجب القرار رقم 168 لسنة 2026
ووفقاً لما نشرته وكالة السودان للأنباء، يشمل المبلغ رسوم تسجيل العام الدراسي، بما فيها الكشف الطبي والبطاقة الجامعية واستخدام المكتبة الجامعية.
لكن هذا القرار لا يعني أن التكلفة الإجمالية للدراسة الجامعية أصبحت 600 ألف جنيه؛ إذ ينبغي التمييز بين رسوم التسجيل والرسوم الدراسية المقررة للبرنامج الأكاديمي، وهي فئتان مختلفتان. وتظهر جداول عدد من الجامعات أن الرسوم الدراسية السنوية لبعض التخصصات تتجاوز هذا المبلغ بأضعاف.
الطب بعشرة ملايين.. تفاوت كبير بين التخصصات والجامعات
تقدم الرسوم المعلنة في جامعتي كرري وشندي مثالاً على حجم التفاوت في تكاليف الدراسة بين التخصصات والبرامج الأكاديمية ،ففي جامعة كرري، أظهرت جداول رسوم العام الدراسي 2026–2027 أن الرسوم الدراسية لبرامج الطب وطب الفم والأسنان تبلغ 10 ملايين جنيه، بينما تصل رسوم الصيدلة إلى 6 ملايين جنيه، والمختبرات الطبية إلى 5 ملايين جنيه، والأشعة إلى 3 ملايين جنيه
وتبلغ الرسوم في بعض برامج الحاسوب وتقنية المعلومات نحو 2.5 مليون جنيه، فيما تصل في بعض برامج الاقتصاد والإدارة والآداب إلى مليوني جنيه.
أما في جامعة شندي، فتبلغ رسوم برنامج الطب 9 ملايين جنيه، وطب الأسنان وعلوم المختبرات الطبية والتمريض 7 ملايين جنيه، وبعض برامج الهندسة 5 ملايين جنيه، فيما تتراوح رسوم برامج أخرى بين 1.5 و3 ملايين جنيه، بحسب البرنامج الدراسي.
وتوضح هذه الأرقام أن تكلفة الدراسة لا تتوزع بالتساوي بين التخصصات، وأن الطلاب الراغبين في الالتحاق بالتخصصات الطبية يواجهون التزامات مالية أعلى من تلك المرتبطة بعدد من البرامج الأخرى.
وتطرح هذه الأرقام سؤالاً جوهرياً حول قدرة الأسر على تمويل تعليم أبنائها، خصوصاً في التخصصات التي تتطلب سنوات طويلة من الدراسة والتدريب، وما يصاحبها من نفقات إضافية على الطالب.
المنح الجامعية.. فرصة محدودة لا تغطي كل الأعباء
في محاولة لتوسيع فرص الالتحاق بالتعليم العالي، أعلنت وزارة التعليم العالي فتح باب التقديم لمنح البكالوريوس في الجامعات الخاصة والأهلية والأجنبية للعام الدراسي 2026–2027، خلال الفترة من 3 إلى 8 نوفمبر 2026
وبحسب الإعلان، تبلغ رسوم التقديم 20 ألف جنيه، وتقتصر المنحة على تغطية الرسوم الدراسية، ولا تشمل بالضرورة بقية النفقات التي يتحملها الطالب، مثل السكن والترحيل والمعيشة والكتب والأدوات الدراسية.
ويشترط للتقديم أن يكون الطالب سوداني الجنسية، وحاصلاً على الشهادة السودانية لعام 2026، وأن يستوفي شروط القبول بالجامعة والبرنامج الذي يتقدم إليه كما يتضمن الإعلان ضوابط ؛ إذ لا يتيح التحويل بعد القبول عبر المنحة، وقد يفقد الطالب المقبول ترشيحه السابق، وفقاً للشروط المعلنة.
ورغم أهمية هذه المنح في توفير فرص تعليمية لبعض الطلاب، فإن نطاق تغطيتها يظل محدوداً إذا قورن بالتكلفة الكاملة للحياة الجامعية. فالطالب الذي يحصل على إعفاء من الرسوم الدراسية قد يظل مطالباً بتوفير نفقات السكن والمواصلات والإعاشة، وهي أعباء قد تكون حاسمة بالنسبة إلى الأسر التي فقدت مصادر دخلها أو اضطرت إلى النزوح بسبب الحرب
كما أن فترة التقديم القصيرة، الممتدة لستة أيام فقط، تفرض على الطلاب متابعة الإعلان واستيفاء المستندات والشروط في وقت محدود.
الحرب توسع الفجوة بين القبول والاستمرار
لا يمكن فصل أزمة الرسوم الجامعية عن السياق الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه السودانيون منذ اندلاع الحرب. فقد أدت الحرب إلى تعطيل مؤسسات وخدمات، وتراجع فرص العمل، وتضرر قطاعات واسعة من الاقتصاد، فضلاً عن انتقال أعداد كبيرة من الأسر بين الولايات وخارج البلاد.
وفي هذا السياق، لا يواجه الطالب تحدي دفع الرسوم وحدها؛ فقد يكون مضطراً إلى الدراسة بعيداً عن أسرته، أو البحث عن سكن في مدينة أخرى، أو تحمل تكاليف انتقال متكررة، أو الجمع بين العمل والدراسة للمساهمة في تغطية نفقاته.
وتزداد صعوبة الوضع بالنسبة إلى الطلاب النازحين واللاجئين، والطلاب الذين فقدوا أحد الوالدين أو المعيل، والأسر التي تعتمد على دخل غير منتظم. غير أن قياس حجم هذه الفئات وتأثير الرسوم على استمرارها في الدراسة يحتاج إلى بيانات رسمية ودراسات ميدانية.
التعليم بين الحق والقدرة على الدفع
في بلد يعيش حرباً ممتدة، لا تمثل الرسوم الجامعية مجرد أرقام في جداول القبول، بل اختباراً لقدرة النظام التعليمي على الاحتفاظ بجيل كامل داخل مؤسساته، ومنع الظروف الاقتصادية من تحويل التعليم إلى فرصة متاحة لمن يستطيع الدفع فقط.
ومع اقتراب العام الدراسي 2026–2027، يبقى التحدي أمام وزارة التعليم العالي والجامعات هو تحويل القرارات والمنح إلى فرص تعليمية قابلة للاستمرار، لا مجرد مقاعد متاحة على الورق. فخسارة طالب بسبب العجز عن دفع الرسوم لا تعني تعثر أسرة واحدة فحسب، بل تعني خسارة محتملة في رأس المال البشري الذي يحتاج إليه السودان لإعادة بناء مؤسساته بعد الحرب.
