تفاصيل بلدنا

منذ 2023.. ما الذي تريده مصر من السودان؟

فريق التحرير وقت القراءة: 8 د

قصف المعدّنين السودانيين.. كيف يرتبط الذهب بالحرب والمصالح المصرية؟

فريق التحرير |تفاصيل بلدنا

قادت  الحرب التي اندلعت في السودان في 15 أبريل 2023  بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع إلى تدخلاتٍ إقليمية وتباين مواقف الدول المحيطةِ بالسودان مع تطاول أمد النزاع المسلح.

فقد وضعت مصر نفسها في داخل الإصطفاف الإقليمي فيما أسمته بما  يتعلق بأمن حدودها الجنوبية، ، وأمن مياه النيل، وحركة التجارة، وموجات النزوح. وبينما تؤكد القاهرة دعم وحدة السودان وسيادته ومؤسساته الوطنية، تتداخل سياستها تجاه الحرب مع مصالح أمنية واقتصادية تجعل استقرار جارتها الجنوبية قضية تتجاوز التضامن السياسي.

وقبيل الحرب بساعاتٍ  تحركت قوات الدعم السريع نحو قاعدة مروي العسكرية حيث كانت قوات مصرية وطائراتٌ حربية مرابطة هناك وصدرت اتهاماتٌ من الدعم السريع بتدخل الطيران المصري ضدهم تلك الفترة إضافةً إلى غاراتٍ أخرى تحدثت عنها قيادات هذه القوات على مدى سنتين ونصف .

القاهرة ووحدة السودان: موقف سياسي تحكمه حسابات الأمن

تؤكد مصر رسمياً دعم وحدة السودان وسلامة أراضيه، ورفض تشكيل كيانات حكم موازية، والحفاظ على مؤسساته الوطنية. كما شددت المباحثات المصرية السودانية في فبراير 2025 على إنهاء الحرب، وحماية المدنيين، وتعزيز الاستجابة الإنسانية، وتهيئة الظروف لعملية سياسية جامعة واستضافت القاهرة في نهاية 2023 القوى المدنية المناهضة للحرب قبل أن تتغير مواقفها ضمنياً لدعم القوات المسلحة ووصف الدعم السريع بالمليشيا المتمردة في بياناتٍ سابقة .

يرى مراقبوان أن  هذا الموقف يعكس  خشية القاهرة من تحول السودان إلى ساحة نفوذ متنافسة، أو انقسامه إلى مناطق تخضع لسلطات متعارضة، بما قد يهدد أمن الحدود ويعقد حركة السكان والتجارة ويزيد مخاطر انتشار السلاح

لكن الموقف المصري لا يمكن تقييمه بالبيانات الرسمية وحدها؛ إذ يتطلب فهمه متابعة الاتصالات السياسية، وطبيعة العلاقات مع قيادة الدولة السودانية، والمواقف من المبادرات الدولية والإقليمية، ومدى استعداد القاهرة للضغط من أجل وقف إطلاق النار.

بينما ترى آراء أخرى أن هذه السياسة تمنح السودان وزناً مركزياً في التصور المصري للحل، لكنها تثير أيضاً سؤالاً حول كيفية ترجمة دعم المؤسسات إلى مسار سياسي يضمن مشاركة القوى المدنية، ويحد من استمرار الحرب، ويعالج أسباب الصراع

وأن المعيار الأهم ليس إعلان دعم وحدة السودان فحسب، بل مدى مساهمة التحركات المصرية في خفض العنف، وحماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات، ومنع تفكك الدولة

الحرب السودانية وموقع مصر الإقليمي

تؤثر الحرب في حسابات القاهرة المتعلقة بأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي وحوض النيل. فاستمرار الصراع يفتح المجال أمام تدخلات خارجية متنافسة، ويزيد صعوبة حماية الحدود، ويضعف قدرة المؤسسات السودانية على إدارة الملفات المشتركة، لكن مصر نفسها موجودة في قلب الصراع بإصطفافها ووجودها الإقليمي ضمن حلفٍ عسكري مع السعودية وتقاربهما في دعم سلطة الأمر الواقع التي تقودها القوات المسلحة .

ويبرز ملف مياه النيل بوصفه أحد المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى. فالسودان شريك أساسي لمصر في حوض النيل، وأي اضطراب طويل الأمد في مؤسسات الدولة السودانية يعرقل التنسيق بشأن المياه والسدود والزراعة والأمن الغذائي

كما تمنح الحدود الطويلة بين البلدين أي تدهور أمني في السودان أبعاداً مباشرة بالنسبة إلى مصر، سواء عبر حركة النازحين أو شبكات التهريب أو المخاطر العابرة للحدود

ومع ذلك، لا توجد أدلة كافية تسمح بالقول إن سياسة القاهرة وحدها تحدد مسار الحرب أو نتائجها. فموازين القوة داخل السودان، ومصادر التمويل والتسليح، ومواقف القوى الإقليمية والدولية، وقدرة الأطراف المتحاربة على مواصلة القتال، كلها عوامل مؤثرة.

الذهب السوداني وشبكات المصالح

أعادت الغارات الجوية التي استهدفت مواقع التعدين الأهلي في مناطق جبل العقيدات والمناطق الحدودية السودانية خلال عام 2026 فتح ملف العلاقة بين الذهب والحرب والمصالح الاقتصادية والإقليمية، بعد قصف الطيران المصري عن الذي  أوقع مئات  القتلى والجرحى من المعدّنين السودانيين

وشهدت المنطقة الحدودية بين السودان ومصر – شمال شرق السودان – هجومين بارزين في 16 يونيو و10 أكتوبر. وتضاربت حصيلة ضحايا الهجوم الأخير بصورة كبيرة؛ إذ أعلنت محامو الطوارئ مقتل 72 معدّناً على الأقل، بينما نقلت وكالة أسوشيتد برس سقوط 13 قتيلاً و28 مصاباً. ونقل شهود ومصادر محلية حصيلة تجاوزت 60 قتيلاً ونحو 150 مصاباً، فيما تحدثت منظمة مناصرة ضحايا دارفور عن نحو 200 قتيل و120 مصاباً ونزوح قرابة 10 آلاف شخص.

وفي هجوم يونيو، تحدثت تقارير عن مقتل 23 شخصاً على الأقل، وسط شهادات عن استهداف مواقع التعدين ومركبات إجلاء المصابين. واتهم  الطيران المصري بتنفيذ الهجمات، بينما لم تقدم القاهرة إقراراً صريحاً بمسؤوليتها عن قصف المواقع السودانية.

وفي 12 أكتوبر، أعلنت سلطة الأمر الواقع التي تقودها القوات المسلحة ، تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، بمشاركة جهات عدلية وأمنية، دون إعلان نتائج نهائية للتحقيق حتى الثاني من نوفمبر. وفي المقابل، تحدثت القوات المسلحة المصرية عن استمرار حملة لمكافحة التعدين غير القانوني في الصحراء الشرقية، وأعلنت في يونيو اعتقال 223 شخصاً، بينهم 136 أجنبياً، في عمليات لمكافحة التعدين والتهريب.

هذه الهجمات والقصف كان داخل الحدود السودانية وهو ما يقرأ من مراقبين ومحللين سياسين أنه خطوات من مصر للسيطرة على الذهب السوداني .

مصالح اقتصادية

وتتجاوز القضية البعد الأمني إلى المصالح الاقتصادية؛ إذ كشفت بيانات البنك المركزي السوداني، وفق بلومبرغ، ارتفاع صادرات الذهب السوداني إلى مصر إلى 4.9 أطنان بقيمة 517 مليون دولار خلال 2025، مقارنة بنحو 245 كيلوغراماً في 2024. كما تراجعت حصة الإمارات من صادرات الذهب السودانية إلى 56%، مقابل 99% في العام السابق

كشف في تحقيقٍ استقصائي أغسطس2026 عن دور الشركة المصرية السودانية المشتركة «The New Arab»

تجارة البلدين، مشيراً إلى مرور جزء كبير من الصادرات السودانية عبرها، بينها كميات من الذهب، وعلاقاتها بكيانات مرتبطة بمؤسسات سلطة الأمر الواقع التي تقودها القوات المسلحة .

وتشير دراسات تشاتام هاوس إلى ارتباط تجارة الذهب بتمويل أطراف الحرب، وتقدر دخول أكثر من 60 طناً من الذهب السوداني إلى مصر عبر قنوات غير مشروعة منذ اندلاع الحرب وحتى نهاية 2024 إضافة إلى التهريب الذي لا تعرف إحصائياته بالتحديد.

المعدنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــين

وتكشف هذه المعطيات عن مفارقة بين سقوط المعدّنين في مناطق الإنتاج واتساع تجارة الذهب خارج السودان، حيث تتوزع الأرباح بين الوسطاء والشركات وشبكات التصدير، بينما يتحمل العمال مخاطر الحرب وفقدان مصادر رزقهم. ومع ذلك، لا تثبت البيانات التجارية وجود علاقة مباشرة بين المستفيدين من الذهب والغارات الجوية.

وتبقى الأسئلة الأهم معلقة: لماذا قصف الطيران المصري مواقع سودانية داخل حدوده ؟ وأين تذهب عائدات الذهب السوداني؟ ولماذا لم تعلن نتائج التحقيقات؟ أسئلة تجعل حماية المعدّنين وملاحقة شبكات التهريب وكشف المستفيدين من اقتصاد الحرب اختباراً حقيقياً لسيادة الدولة السودانية.

لذلك ينبغي قياس الدور المصري من خلال نتائج ملموسة: هل ساهمت التحركات الدبلوماسية في وقف إطلاق النار؟ وهل ضغطت القاهرة على الأطراف أو حلفائها لوقف التصعيد؟ وهل ساعدت في توحيد الجهود الإنسانية؟

التجارة بين البلدين: اقتصاد متبادل لكنه غير متكافئ

تظهر الأرقام الرسمية أن العلاقات الاقتصادية لم تتوقف بسبب الحرب، لكنها شهدت تراجعاً في قيمة التبادل التجاري

فوفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 1.2 مليار دولار في 2024، مقابل 1.4 مليار دولار في 2023.

وسجلت الصادرات المصرية إلى السودان نحو 866.2 مليون دولار في 2024، مقابل واردات مصرية من السودان بلغت 292.4 مليون دولار. وتشير هذه الأرقام إلى اختلال واضح في الميزان التجاري لمصلحة مصر، التي توفر للسوق السودانية منتجات غذائية وصناعية، بينما تشمل وارداتها من السودان الحيوانات الحية والبذور الزيتية والقطن.

وتعني هذه العلاقة أن استمرار الطلب السوداني على السلع المصرية يوفر سوقاً للمصدرين والمنتجين المصريين، فيما تعتمد قطاعات سودانية على إمدادات من السوق المصرية، لكن في المقابل ووفقاً للبيانات أعلاه تستفيد مصر من الذهب السوداني واللحوم والمنتجات الزراعية والمواد الخام في التصنيع .

ولمعرفة المستفيدين فعلياً، يجب تتبع تغير الصادرات حسب السلعة، وتكاليف النقل والتأمين، وحركة المعابر، وحجم الاستثمار المباشر، ومدى انتقال الزيادة في الطلب إلى الأرباح وفرص العمل داخل مصر.

اللاجئون السودانيون: مساهمة اقتصادية وتحديات اجتماعية

أدت الحرب إلى انتقال أعداد كبيرة من السودانيين إلى مصر، التي أصبحت إحدى أهم دول الاستضافة للسودانيين الفارين من القتال، وعلى عكس ما تروج الحكومة المصرية واطلاق حملاتٍ منظمة تجاه اللاجئين السودانيين في مصر فإن لهم مساهمة اقتصادية واضحة في حركة التجارة وقطاع العقارات والعمالة بصورةٍ عامة وفتح استثماراتٍ كبيرة ومتوسطة وصغيرة .

وبحسب بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بلغ عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين في مصر 1,084,858 شخصاً حتى 30 سبتمبر 2026، كان السودانيون منهم 846,556 شخصاً، أي نحو 78% من الإجمالي.

وهذه أرقام المسجلين لدى المفوضية، هذه الأرقام قد لا تكون  تقديراً شاملاً لجميع السودانيين المقيمين في مصر. كما أعلنت الحكومة المصرية في وقت سابق تقديرات أعلى لعدد الوافدين منذ اندلاع الحرب، ما يستلزم التمييز بين المسجلين والوافدين والمقيمين فعلياً.

اقتصادياً، لا ينبغي النظر إلى السودانيين باعتبارهم متلقين للمساعدات فقط. فبعضهم يمتلك مدخرات أو مهارات مهنية أو خبرات تجارية، وقد أسهموا في تأسيس مطاعم ومتاجر وورش ومكاتب، كما يوفر إنفاق الأسر على السكن والغذاء والنقل والتعليم والاتصالات طلباً إضافياً على السلع والخدمات في الاقتصاد المصري.

وتتيح هذه الأنشطة فرصاً لبعض الشركات والعاملين وأصحاب العقارات، ويمكن أن تتحول إلى مساهمة إنتاجية أكبر إذا توافرت إجراءات واضحة للإقامة والعمل والترخيص وتأسيس الأعمال.

ما الذي تريده مصر من السودان؟

ما تعلنه القاهرة دائماً يتمحور عن المصالح المصرية حول سودان موحد، وحدود آمنة، ومؤسسات قادرة على إدارة الدولة، وعلاقات تجارية مستمرة، وتنسيق في ملفات المياه والأمن الإقليمي ، لكنها تتخذ موقفاً داعماً لاحد أطراف الحرب في السودان .

وتواجه القاهرة اختباراً عملياً ، هل تستطيع توظيف علاقاتها السياسية والإقليمية لدفع الأطراف نحو وقف الحرب وتسوية تحفظ وحدة السودان وتفتح الطريق أمام عملية سياسية سودانية؟ أم سيظل دورها محصوراً في إدارة المخاطر الأمنية والإنسانية والاقتصادية الناتجة عن الصراع؟ بحثاً عن مصالحها وسط الانهيار في السودان .

 

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى